مقدمة
يشكل التعليم حجر الزاوية في بناء المجتمعات وتطورها، وفي ظل الظروف الاستثنائية التي يعيشها قطاع غزة، يكتسب الحديث عن واقع التعليم أهمية مضاعفة. يهدف هذا البحث إلى تحليل نتائج استطلاع ميداني حول مشاركة الأهالي في العملية التعليمية والتحديات التي تواجههم، وذلك للوقوف على حقيقة الوضع التعليمي من منظور الأسر الفلسطينية في القطاع.
منهجية البحث
اعتمد هذا البحث على استطلاع ميداني شمل عينة من أولياء الأمور في قطاع غزة، حيث تم طرح مجموعة من الأسئلة المحورية حول مشاركتهم في تعليم أبنائهم، والتحديات التي يواجهونها، وتأثير الحرب على الجانب النفسي للأطفال من ناحية التعليم.
النتائج والتحليل
أولاً: المشاركة المباشرة للأهالي في تعليم الأبناء في المنزل
تشير النتائج إلى أن الغالبية الساحقة من الأهالي (72.42%) يشاركون بشكل مباشر في تعليم أبنائهم في المنزل، وهي نسبة مرتفعة تعكس وعياً متزايداً بأهمية الدور الأسري في العملية التعليمية. في المقابل، أفاد 21.21% من المشاركين بوجود نقص في الإمكانيات والموارد التعليمية، بينما أشارت نسبة ضئيلة (5.45%) إلى نقص في المدارس والمدرسين أنفسهم.
هذه المعطيات تكشف عن واقع مركب: فمن جهة، هناك التزام أسري واضح بمتابعة التحصيل العلمي للأبناء، ومن جهة أخرى، تواجه الأسر عجزاً في الموارد والإمكانيات المادية اللازمة لإنجاح هذه المهمة.
ثانياً: التحديات الرئيسية في تعليم الأبناء
عند السؤال عن أبرز المشكلات التي تواجه الأهالي في تعليم أبنائهم، جاءت النتائج على النحو التالي:
نقص المدارس والمدرسين: أشار 5.45% فقط إلى هذه المشكلة كتحدٍ رئيسي
نقص الإمكانيات والموارد: اعتبر 21.21% أن هذا هو التحدي الأكبر
جميع ما سبق: رأت الأغلبية الكبرى (72.42%) أن جميع هذه العوامل مجتمعة تشكل العائق الحقيقي
هذه النتيجة في غاية الدلالة، إذ تشير إلى أن الأزمة التعليمية في غزة ليست أحادية البعد، بل هي أزمة مركبة تتداخل فيها النواقص البنيوية (المدارس والمعلمين) مع النواقص المادية (الموارد والإمكانيات). هذا التشخيص يتطلب حلولاً شاملة ومتكاملة لا تقتصر على جانب واحد فقط.
ثالثاً: تأثير الحرب على الحالة النفسية للأطفال
يُعد هذا المحور من أكثر المحاور إثارة للقلق في نتائج الاستطلاع. عند السؤال عن كيفية تأثير الحرب على نفسية الأطفال من ناحية التعليم، كانت الإجابات صادمة:
تأثير سلبي كبير: 90.3% من الأهالي أكدوا أن الحرب لها تأثير سلبي كبير على نفسية أطفالهم من الناحية التعليمية
تأثير متوسط: 5.15% فقط
تأثير بسيط: 1.82%
لا تأثير: نسبة ضئيلة جداً (0.91%)
هذه الأرقام تكشف عن كارثة إنسانية وتربوية، حيث يعيش الأطفال في حالة من الصدمة النفسية التي تعيق قدرتهم على التعلم والتحصيل الدراسي. الحرب لا تدمر البنية التحتية فحسب، بل تترك آثاراً عميقة في نفوس الأطفال تؤثر على مستقبلهم التعليمي والمهني.
رابعاً: التعليم كأمل في المستقبل
رغم كل التحديات والمعاناة، تظهر النتائج تمسكاً قوياً بالتعليم كسبيل للخلاص. عند السؤال عن إمكانية أن يكون التعليم أملاً للمستقبل رغم كل الظروف، جاءت الإجابات كالتالي:
نعم، التعليم هو الأمل الوحيد: 79.09% – وهي نسبة تعكس إيماناً عميقاً بقوة التعليم
أمل قليل: 6.97%
صعب حالياً: 7.58%
لا، ليس لدي أمل: 5.15%
هذه النتيجة تحمل في طياتها رسالة أمل وصمود. فرغم الدمار والحصار والحرب، لا يزال الشعب الفلسطيني في غزة يؤمن بأن التعليم هو السلاح الأقوى لبناء المستقبل. هذا الإيمان يشكل رأسمال اجتماعياً ونفسياً هائلاً يمكن البناء عليه في جهود إعادة الإعمار والنهوض.
التوصيات
بناءً على نتائج هذا الاستطلاع، نوصي بما يلي:
تطوير برامج دعم نفسي شاملة للأطفال لمعالجة آثار الحرب على قدرتهم على التعلم
توفير الموارد التعليمية الأساسية للأسر لتمكينها من القيام بدورها في التعليم المنزلي
تدريب الأهالي على أساليب التعليم الفعالة في ظل الظروف الصعبة
إعادة بناء وتأهيل المدارس المدمرة وتوفير بيئة تعليمية آمنة
استثمار الإيمان الشعبي بالتعليم كمحرك لمشاريع التنمية المستدامة
خاتمة
يكشف هذا الاستطلاع عن واقع تعليمي صعب ومعقد في قطاع غزة، لكنه في الوقت نفسه يظهر صموداً استثنائياً وإيماناً عميقاً بأهمية التعليم. التحدي الأكبر يكمن في الآثار النفسية للحرب على الأطفال، وهو ما يتطلب تدخلاً عاجلاً وشاملاً. إن استثمار هذا الإيمان الشعبي بالتعليم، وتوفير الموارد اللازمة، والاهتمام بالصحة النفسية للأطفال، كلها عناصر أساسية لبناء مستقبل أفضل لأجيال غزة القادمة